سيد قطب

2004

في ظلال القرآن

لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ( 77 ) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 78 ) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ( 79 ) نمضي في هذا الدرس مع قصة يوسف ، في حلقة جديدة من حلقاتها - الحلقة الرابعة - وقد وقفنا في نهاية الجزء الثاني عشر عند نهاية الحلقة الثالثة . وقد أخرج من السجن ، واستدعاه الملك ليكون له شأن معه ، هو الذي سنعرفه في هذه الحلقة الجديدة . هذا الدرس يبدأ بآخر فقرة في المشهد السابق . مشهد الملك يستجوب النسوة اللاتي قطعن أيديهن - كما رغب إليه يوسف أن يفعل - تمحيصا لتلك المكايد التي أدخلته السجن ، وإعلانا لبراءته على الملأ ، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة في حياته ؛ وهو يبدؤها واثقا مطمئنا ، في نفسه سكينة وفي قلبه طمأنينة وقد أحس أنها ستكون مرحلة ظهور في حياة الدولة ، وفي حياة الدعوة كذلك . فيحسن أن يبدأها وكل ما حوله واضح ، ولا شيء من غبار الماضي يلاحقه وهو بريء . ومع أنه قد تجمل فلم يذكر عن امرأة العزيز شيئا ، ولم يشر إليها على وجه التخصيص ، إنما رغب إلى الملك أن يفحص عن أمر النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، فإن امرأة العزيز تقدمت لتعلن الحقيقة كاملة : « الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ . أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ . وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ؛ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . وفي هذه الفقرة الأخيرة تبدو المرأة مؤمنة متحرجة ، تبرئ نفسها من خيانة يوسف في غيبته ؛ ولكنها تتحفظ فلا تدعي البراءة المطلقة ، لأن النفس أمارة بالسوء - إلا ما رحم ربي - ثم تعلن ما يدل على إيمانها باللّه - ولعل ذلك كان اتباعا ليوسف - « إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . وبذلك يسدل الستار على ماضي الآلام في حياة يوسف الصديق . وتبدأ مرحلة الرخاء والعز والتمكين . . « وَقالَ الْمَلِكُ : ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي . . فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ . قالَ : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . . وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ، يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ ، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ ، وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ » . . لقد تبينت للملك براءة يوسف ، وتبين له معها علمه في تفسير الرؤيا ، وحكمته في طلب تمحيص أمر النسوة ، كذلك تبينت له كرامته وإباؤه ، وهو لا يتهافت على الخروج من السجن ، ولا يتهافت على لقاء الملك . وأي ملك ؟ ملك مصر ! ولكن يقف وقفة الرجل الكريم المتهم في سمعته ، المسجون ظلما ، يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه ؛ ويطلب الكرامة لشخصه ولدينه الذي يمثله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك . .